ابن كثير

188

تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت )

فكانت الحيتان إذا كان يوم السبت ، وقد حرم اللّه على اليهود أن يعملوا في السبت شيئا ، فلم يبق في البحر حوت إلا خرج حتى يخرجن خراطيمهن من الماء ، فإذا كان يوم الأحد لزمن سفل البحر فلم ير منهن شيء حتى يكون يوم السبت ، فذلك قوله تعالى وَسْئَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كانَتْ حاضِرَةَ الْبَحْرِ إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعاً وَيَوْمَ لا يَسْبِتُونَ لا تَأْتِيهِمْ فاشتهى بعضهم السمك ، فجعل الرجل يحفر الحفيرة ويجعل لها نهرا إلى البحر ، فإذا كان يوم السبت فتح النهر فأقبل الموج بالحيتان يضربها حتى يلقيها في الحفيرة ، فيريد الحوت أن يخرج فلا يطيق من أجل قلة ماء النهر ، فيمكث فيها ، فإذا كان يوم الأحد ، جاء فأخذه ، فجعل الرجل يشوي السمك ، فيجد جاره روائحه ، فيسأله فيخبره ، فيصنع مثل ما صنع جاره حتى فشا فيهم أكل السمك ، فقال لهم علماؤهم : ويحكم ، إنما تصطادون يوم السبت وهو لا يحل لكم ، فقالوا : إنما صدناه يوم الأحد حين أخذناه ، قال الفقهاء : لا ولكنكم صدتموه يوم فتحتم له الماء فدخل ، قال : وغلبوا أن ينتهوا . فقال بعض الذين نهوهم لبعض لِمَ تَعِظُونَ قَوْماً اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذاباً شَدِيداً يقول : لم تعظونهم وقد وعظتموهم فلم يطيعوكم ؟ فقال بعضهم مَعْذِرَةً إِلى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ فلما أبوا ، قال المسلمون : واللّه لا نساكنكم في قرية واحدة ، فقسموا القرية بجدار وفتح المسلمون بابا والمعتدون في السبت بابا ولعنهم داود عليه السلام ، فجعل المسلمون يخرجون من بابهم ، والكفار من بابهم ، فخرج المسلمون ذات يوم ولم يفتح الكفار بابهم فلما أبطئوا عليهم ، تسور المسلمون عليهم الحائط ، فإذا هم قردة يثب بعضهم على بعض ، ففتحوا عنهم فذهبوا في الأرض ، فذلك قول اللّه تعالى : فَلَمَّا عَتَوْا عَنْ ما نُهُوا عَنْهُ قُلْنا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خاسِئِينَ وذلك حين يقول لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرائِيلَ عَلى لِسانِ داوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ [ المائدة : 78 ] : فهم القردة . ( قلت ) والغرض من هذا السياق عن هؤلاء الأئمة ، بيان خلاف ما ذهب إليه مجاهد رحمه اللّه ، من أن مسخهم إنما كان معنويا لا صوريا ، بل الصحيح أنه معنوي وصوري ، واللّه أعلم . وقوله تعالى : فَجَعَلْناها نَكالًا قال بعضهم : الضمير في فجعلناها عائد على القردة وقيل على الحيتان وقيل على العقوبة وقيل على القرية ، حكاها ابن جرير « 1 » . والصحيح أن الضمير عائد على القرية ، أي فجعل اللّه هذه القرية والمراد أهلها بسبب اعتدائهم في سبتهم نَكالًا أي عاقبناهم عقوبة فجعلناها عبرة كما قال اللّه عن فرعون فَأَخَذَهُ اللَّهُ نَكالَ الْآخِرَةِ وَالْأُولى [ النازعات : 25 ] وقوله تعالى لِما بَيْنَ يَدَيْها وَما خَلْفَها أي من القرى ، قال ابن عباس : يعني جعلناها بما أحللنا بها من العقوبة عبرة لما حولها من القرى كما قال تعالى : وَلَقَدْ أَهْلَكْنا ما حَوْلَكُمْ مِنَ الْقُرى وَصَرَّفْنَا الْآياتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ [ الأحقاف : 27 ] ومنه قوله تعالى

--> ( 1 ) الطبري 1 / 374 - 375 .